إشكالية ضعف الأداء الحكومي بالعراق والمرسلة للرئاسات الثلاثة


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

فخامة رئيس الجمهورية الدكتور برهم صالح المحترم

 

دولة رئيس مجلس الوزراء الاستاذ عادل عبد المهدي المحترم

سعادة رئيس مجلس النواب

 

الاستاذ محمد الحلبوسي المحترم

 

م/ رسالة مفتوحة

 

 “إشكالية ضعف الأداء الحكومي

 

    أكتب لكم أولا معبرا عن مباركة جميع زملائي بالمعهد العراقي للاصلاح الاقتصادي بتسلم مواقعكم القيادية الجديدة، ونتمنى ان تتظافر جميع الجهود لدعم مسيرة الاصلاح التي تنشدون لها.

    من المؤسف القول ان من تداعيات العملية السياسية “ان العراق حظي بالديمقراطية وخسر سيادة القانون” والتي ترتب عليها خللا كبيرا في اداء المؤسسات الحكومية متمثلا بعجز في تقديم الخدمات الحكومية الاساسية، وفي تنفيذ حتى الاصلاحات التي خططت لها الحكومات السابقة، وادت جميعها الى “ازمة ثقة المواطن بالادارة الحكومية”.

     ان هذا الضعف يشكل عقبة في تفهم وقبول المواطن بالاصلاحات المخطط لها، وسيؤدي لا محالة الى تمرد لا احد يعرف مدياته وتبعاته.

     ان ادارة ازمة ثقة المواطن باتت امرا بالغ الاهمية لتحقيق الاستقرار وهي تحتاج الى هيئة تعنى بمصالحة المواطن ( على غرار هيئة المصالحة الوطنية الحالية).

    المشكلة ان العملية السياسية اعتمدت (خلافا للممارسات الدولية ) المشاركة بالادارة الحكومية ابتدأ وبهدف استيعاب الاختلافات السياسية وتحقيق الاستقرار (وهو امر ضروري عندما يكون هناك توفر قدر معين من سيادة القانون). ان ما حصل يتمثل بظهور فريق من القوى السياسة غير المنسجمة بالرؤيا الذين يسعون لتحقيق الاهداف الذاتية على حساب الاهداف الوطنية. خلافا لتجارب الدول الناجحة ومنها دول شرق وجنوب شرق اسيا التي لم تؤسس مشروعها السياسي على اساس المشاركة السياسية ابتداءا، وانما جاءت المشاركة في

المرحلة التالية. لهذا اصبح مؤشر سيادة القانون في العراق اكثر بؤسا حتى من ناجيريا وانغولا والكونغو (وفقا لمؤشرات البنك الدولي)، وترتب عن ذلك ان اصبحت الادارة الحكومية عاجزة عن تطبيق مقومات الديمقراطية المتمثلة بمفردات الحكم الرشيد، وبذلك لم تعد الممارسة الديمقراطية تمثل حكم الشعب بقدر ما تمثل حكم الكتل السياسية التي لا تمثل كل الشعب، ونجد ذلك واضحا في حفظ مصالح النخب السياسية على حساب مصالح المواطن.

    لعل ابرز مثال على عدم مراعاة القوانين هو اعداد وتنفيذ الموازنة الاتحادية والتي تعتبر من اهم الموضوعات الاقتصادية والسياسية، فالموازنة تفتقد مؤشرات الحكم الرشيد المتمثلة بالشفافية والكفاءة والمسائلة (مستوى الشفافية لا يتجاوز 4% بحسب بيانات منظمة الشفافية الدولية) على الرغم من ان قانون الادارة المالية رقم 95 لعام 2004 ينص على ضرورة تمتع الموازنة بمتطلبات الشفافية وبحسب المعايير الدولية. عليه فالقرار او الملف الذي يفتقد الشفافية لا يمكن ولا يحفز على محاربة الفساد وتطبيق سيادة القانون، فلا عجب ان تفتقد الدوائر الحكومية ضوابط العمل المؤسساتي.

بشكل عام ان من متطلبات النمو والتطور توفر رؤوس الاموال الاربعة التالي: الاقتصادي والبشري والاجتماعي والسياسي. ان من تحديات استغلال راس المال الاقتصادي والبشري بشكل كفوء توفر بيئة حاضنة لهما والمتمثلة: اولا رأس المال الاجتماعي ( الذي يمثل القيم والعادات التي تدفع الى احترام المواطنين للحقوق العامة)، وثانيا رأس المال السياسي (والذي يمثل قدرة الحكومة على فرض القانون وكسب ثقة المواطنين من خلال شفافية القرارات وتحقيق الكفاءة والمشاركة والمسائلة). الا انه وبسبب الظروف التي مر بها العراق فأن رأس المال السياسي والاجتماعي يمثلان عنق زجاجة امام تطور الاداء المؤسساتي ومن ثم انسياب الاصلاحات المنشودة، ويتعذر على الحكومة تجاوز المشكلة في المدى القصير.

    إن بناء مؤسسات فاعلة تعيد للحكومة هيبتها يتطلب الاستئناس بالتجربة الدولية (بالاخص دول شرق وجنوب شرق اسيا) والتي هي بشكل مقتضب كما يلي:

●             اولا: حجب المناكفات السياسية عن القرار الاقتصادي وتوفير البيئة الساندة لتطور القطاع الخاص والاستثمار الاجنبي، الامر الذي يتطلب ايجاد هيئة استشارية عالية المهنية يعتمدها مجلس الوزراء

لاتخاذ القرارات ومتابعة تنفيذها. من الجدير بالذكر ان الوضع الحالي للعراق يتطلب وزارة خاصة تعنى بالاصلاحات الاقتصادية وراعية للاستثمار والقطاع الخاص (كما هو في جمهورية مصر).

●             ثانيا: اعطاء التعليم اولوية وبالاخص تحسين نوعية التعليم بالمراحل الاولية والمهنية دعما لنشوء الصناعات الصغيرة ولخلق جيل جديد بمواصفات تخدم المرحلة القادمة (حاليا هناك نقص حاد في الابنية المدرسية يتجاوز 9 الف مدرسة).

●             ثالثا: تجسيدأ لمبدأ ثروات الوطن لكل المواطنين يتطلب اعادة النظر بسياسة الدعم الحكومي (المتمثل بالبطاقة التموينية، ودعم اسعار المشتقات النفطية على سبيل المثال) وتوفير فرص عمل للعاطلين (من خلال التوسع بمشاريع الاسكان كأولوية وباعتماد اساليب اخرى غير تقليدي social investment bonds ) والتخطيط التدريجي لخفض نسبة استغلال موارد الثروة النفطية لاغراض الموازنة التشغيلية، وتوسيعها لاغراض مشاريع الاستثمار في البنى التحتية وفي المشاريع الستراتيجية (كما هو الحال في مجلس الاعمار السابق).

رابعا: تحقيق التدفق الدائري للدخل بتطوير القطاعين الصناعي بالزراعي وحماية المنتوج الوطني ضمن مبدأ الميزة النسبية للاقتصاد العراقي، وبما يضمن خفض الاستيراد (حاليا الذي بلغ اكثر 54 ترليون دينار سنويا).

●             خامسا: اعتماد شراكة القطاع الخاص للعام في تأهيل وتشييد البنى التحتية وفي اعادة هيكلة كلا من الشركات العامة والمصارف الحكومية … الخ من خلال اقرار التشريعات الساندة وتعديل قانون المصارف وبالاخص المادتين 27 و 28 واللتان تمنعان المصارف من دخول فضاء الاستثمار.

●             سادسا: ان تعدد جهات المراقبة والمساءلة في العراق قد اصبحت عقبة امام تطور الأداء العام الأمر الذي يتطلب إعادة النظر بطبيعة عملها وتعدد جهاتها، والمطلوب ايضا رقابة ومساءلة مجتمعية يشترك بها رموز من المجتمع المدني بما يضمن تطبيق الادارة الرشيدة.

سابعا: تاسيس مجالس استشارية طوعية من اصحاب الخبرة والكفاءة (من هم خارج العمل الوظيفي الحكومي) وتعشيق عملهم مع الجهاز الاستشاري الحكومي، الغرض ترشيد القرارات وفتح باب المشاركة الوطنية المدنية بإدارة الشؤون العامة وبما يعزز ثقة المواطن بالادارة السياسية (وكما هو معروف ب Private Public Dialog).

 

مع الإعتزاز والتقدير

د.كمال البصري

عن المعهد العراقي للاصلاح الاقتصادي

 

 

https://www.sotaliraq.com/2018/10/19/اشكالية-ضعف-الاداء-الحكومي-بالعراق-و/